هكذا يتصور المجتمع المغربي الوظيفة العمومية 

0

مقال رأي- نورا وهنا (باحثة في سلك الماستر) 

إن الضجة التي أحدثتها شروط التوظيف التي تخص مباراة التعليم على مواقع التواصل الإجتماعي، جعلتني أستحضر موضوعا لطالما شغل تفكيري وهو الوظيفة العمومية وماتمثله تاريخيا وثقافيا للمجتمع المغربي، حيث أنها تشكل حلم كل طفل يحمل كراسة، وحافزا لكل تلميذ ومصدر فخر لكل والد، كما أنها تحتل مركز طموح جل الشباب.

فلا عجب أن البيوت المغربية تهتز بالزغاريد والأهازيج و تقيم الولائم إذا ما تمكن أحد أبنائها من الحصول

على كرسي في أسالك الوظيفة العمومية. إنه موضوع شائك يحتاج أبحاث اجتماعية على المستوى الاقتصادي والثقافي والتاريخي. بل وإن العمل على فهم وتفسير هذه الظاهرة سيمكننا من إصلاح وهيكلة المنظومة ككل.

انطلاقا من ملاحظتي البسيطة استطعت تلخيص أسباب هذه الظاهرة في أربعة نقاط مهمة كالتالي:

1_التنشئة الاجتماعية للطفل والتي تتمحور حول التفوق في الدراسة ونيل الشواهد العليا ثم الحصول على وظيفة في الدولة ، حيث نجد أن كل من الأسرة والمدرسة والمجتمع يرسخون في نفسية الطفل تصور مفاده أن الوظيفة هي الوسيلة المثلى للإرتقاء الاجتماعي، وخصوصا بين أفراد الطبقات المتوسطة والضعيفة، وبالتالي فجميع المتدخلين في عملية التنشئة يرسمون للطفل سقف الطموح و يخلقون الحلم المتماثل في صفوف المتمدرسين.

2_التكوين الأكاديمي الذي لا يتناسب في مجموعة من التكوينات مع متطلبات سوق الشغل، حيث يصطدم المتخرج بشهادة عليا مقابل فرص شغل شبه منعدمة تجعل من الوظيفة العمومية الملاذ الوحيد.

3-انعدام الرقابة والمحاسبة في الإدارة العمومية يجعل منها مطلبا لجل الشباب فكثير ما تتردد على سمعنا عبارات مثل ” عليك الحصول على وظيفة في الدولة حيث يمكنك العمل وقت ما وكيفما تشاء ، وحيث سترتاح من السلطة البيروقراطية”. أجل، إلى حد ما فهذه الأقوال صحيحة حيث أن الإدارة المغربية تعاني من تفشي الفساد والانحرافات الإدارية, تتجلى في عدم احترام أوقات العمل والتهاون والالمسؤولية والرشوة…

4_الوضعية المزرية للقطاع الخاص تجعل الشباب يشتغلون به مضطرين أو منتظرين اندماجهم في الوظائف

العمومية، هذا القطاع يعاني من خروقات كبيرة تتمثل في عدم احترام الحد الأدنى للأجور وعدم تسوية وضعية أغلب العمال وتجريدهم من كامل حقوقهم في التأمين الصحي والتقاعد والرخص والتعويضات …كما أن المشتغل بالقطاع الخاص يضل مهددا بالطرد في أي لحظة كما وقع في مجموعة من المؤسسات إبان تفشي وباء

كورونا. عكس الوظيفة العمومية التي توفر الأمن الوظيفي والاستقرار النفسي والمادي.

كما لا ننسى النظام الضريبي والتعقيدات البيروقراطية التي تعرقل مشاريع الشباب ، وخصوصا تلك التي تحتاج رأسمال متوسط إلى كبير. وبالتالي يتم قبر مجموعة من الأفكار والمواهب وسد الطريق على الإبداع

والابتكار

.

إن كانت الوظيفة العمومية في تصور المجتمع سبيلا للارتقاء الاجتماعي إلا أنها في نفس الوقت وسيلة للجمود

الاجتماعي كذلك، حيث تحد من طموح الفرد، فالمجتمع و تمثالته عن النجاح والاستقرار يساهم في خلق

مواطن مستقر ماديا واجتماعيا وفكريا واكاديميا مكتفيا بما حققه ومكتفيا بمكانته ومستهلكا بامتياز، حيث أن اهتماماته تصبح حبيسة قاعدة هرم ماسلو من أكل و ملبس وعقار وسيارة … ملتهيا بتحقيق رغبات فيزيولوجية وفي سلسلة من الأهداف المادية التي إن لم تغرقه في بحر من الديون فإنها تجعله عبدا لغرائزه. وتحول دون ارتقائه أكثر سواء على المستوى الفكري و الاقتصادي والنفسي…

رغم أن مجتمعنا يؤمن ويؤكد ويشجع على الوظيفة من أجل الاستقرار، و الذي سأسميه ركودا. فالموظف الذي يستقر على مستوى فكري واجتماعي واقتصادي واحد طيلة حياته دون المجازفة في الخروج من منطقة راحته فهو يشبه تلك البركة الراكدة التي يبقى ماؤها ساكنا حتى يمتلئ بالشوائب وتصبح رائحته نتنة.

وفي إطار محاولة إيجاد حل لتغيير هذه التمثلات والتصور للوظيفة العمومية في المجتمع المغربي فلابد من إصالح شامل وصارم

لقطاع الشغل وخلق فرص أكثر بمستوى يحفظ كرامة العيش ويفجر طاقات الشباب.

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.