طاطا نبيلة.. سوء الطالع أم الإساءة في اختيار المواعيد؟

0

إعلام تيفي- الرباط

مراد المغربي

ربما بات من المناسب نعت الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد بكونها لا تفوت أية فرصة لكي تضيع فرصة، فالسيدة التي استقبلها الفضاء الحزبي المغربي قبل سنوات قليلة لتكون زعيمة واحد من الأحزاب اليسارية الوليدة عن تشظي عائلة اليسار قبل أقل من عقدين، صارت في السنوات الأخيرة، وبسبب سوء طالعها وعدم استيعابها لمجرات رياح التواصل الاجتماعي وشبكاته، مادة للاستهلاك المضحك، لأنها لا تفكر بما يكفي في التوقيت الذي ستقول فيه ما يدور بخلدها.
وبعدما أتحفتنا بنظرياتها الألمعية عن مؤامرات كورونا واللقاح، ونيرانها الصديقة والعدوة التي تأتي من كل مكان وتتجه نحو كل صوب، وكل ذلك وسط الزعم حد الفضاضة باحتكار حق الدفاع عن الشعب ومصالحه وقضاياه، مع أن هذا الشعب نفسه لم يمنحها ولو مقعدا في البرلمان، حتى وهي تستنجد باللائحة الوطنية للنساء، لكنها هذه المرة اختارت لا أن تمشي عكس التيار فحسب، بل أن تترك النقاش الحقيقي، حيث تجتمع شرعية وعدالة قضيتنا الوطنية بشرعية التمثيلية الانتخابية في أقاليمنا الجنوبية، وتذهب هي بعيدا لمواجهة ما تعتبره ريعا خارجا من رحم التعاون الوطني بالعيون.
فالريع في مفهوم الزعيمة اليسارية هو سيء ومرفوض وكله يقع في خانة واحدة، هو مال غير مرتبط بإنتاج اقتصادي حقيقي، وقد يكون موجها لمن لم يبذل فيه جهدا، بل إنه ربما يقع في نظرها في خانه “عطاء من لا يملك لمن لا يستحق”، وهي بذلك تجهل أو تتجاهل أن الأمر ليس هكذا، بقدر ما لم تتخلّ حتى المجتمعات الصناعية الكبرى عن منطق التمويل الوقفي والهبات والمنح endowment، ذلك ان أي مجتمع فيه فئات لا يمكن أن نحاسبها على الإنتاج، ولا ان نشترط في تمويل دعم احتياجاتها الأصل الإنتاجي للأموال المستعملة في دعمها.
قد يكون هذا المنطق الذي يقف وراء فلسفة عمل مؤسسة مغربية عريقة مثل التعاون الوطني، غائبا تماما عن ذهن الزعيمة اليسارية، التي ربما اطلاعها على أدبيات الاقتصاد السياسي بشقيه اليساري واللبرالي، هو اطلاع ضعيف بما يلزم لكي ترى أن ثمة فكاكا بين الإنتاج وأدواته وقواه من جهة، وبين تحقيق العدالة للفئات الأقل حظا. وإلا فإن السيدة اليسارية السوبر كلاس، والحالة هذه، لا يهمها لا فكر اقتصادي ولا تقعيد لمفهوم الريع ولا يحزنون، وغاياتها فقط تتراوح بين معاكسة النقاش الحقيقي الراهن وبين هاجس لفت الانتباه والتحول إلى مادة استهلاكية في الإعلام الوطني، فربما يعزيها ذلك عن الحضور الضعيف للغاية في خريطة الانتخابات باعتبار ما مضى، أو باعتبار إحساس ربما لديها بأن الاستحقاقات القادمة لن تكون أفضل من سابقاتها.
ولأنها تهوى إخلاف موعدها مع التاريخ وقول ما لا يلزم قوله في الوقت الذي لا يناسبه، فإنها اختارت أن تهاجم المغاربة الأحرار من أبناء الصحراء المغربية الوحدويين، هؤلاء الذين اختاروا سبيل الانتخابات والديمقراطية التمثيلية وحده، لا لتمثيل ساكنة أقاليمنا الجنوبية والسهر على تحقيق التنمية فحسب، ولكن لإلجام خصوم وحدتنا الترابية من ذوي النزعات الانفصالية، بحيث يكون ادعاءهم القاضي بكونهم يمثلون المغاربة الصحراويين والحال هكذا مفرغا من أي معنى، مادام في الصحراء رجال من طينة حمدي ولد الرشيد، يمثلون سكان الأقاليم الجنوبية عبر الانتخابات الحرة والنزيهة، ويقطعون دابر أطروحات الانفصال.
إن واجب أي مغربي وطني حر ووحدوي أن يدعم هؤلاء، وعلى الديمقراطيين الحقيقيين وبدل أن يواجهوا منتخبي الأقاليم الجنوبية، ترك محاسبتهم على التدبير للساكنة التي صوتت عليهم، لاسيما والانتخابات على الأبواب، وتفادي الهجوم على من يقفون في الصف الأول لتمثيل سكان تلك الأقاليم في وجه آلة الدعاية الانفصالية التي تدعي احتكار الحق في تمثيلهم، خصوصا وأن القضية التي توجد هذه الأيام في مقدمة الاهتمام الوطني والدولي، إنما هي قضية تلاحم المغاربة جميعا وراء المؤسسات الشرعية، وتجديد التعبير عن الإجماع الوطني للإطاحة بمناورات الخصوم.
فللأسف يختار “اليسار الأحمق” دائما التوقيت الخطأ لقول الأشياء الخطأ، وبقدر ما يتسع فضاؤنا الديمقراطي الوطني لجميع الفرقاء لكي يقولوا ما يشاؤون، فكل الرجاء أن لا يهرعوا هم أيضا إلى استنكار أن يتناولهم النقد ويُظهر للناس عوار وحمق مواقفهم، فإنه يبدو أن هؤلاء هم مع الديمقراطية التي تسمح لهم هم فقط أن يقولوا ما يشاؤون، وما داموا “يسارا” فجميع مواقفهم صائبة في المطلق، حتى لو حملتهم أحيانا على الاصطفاف وراء جماعة دينية غير قانونية وآخر همها قضايا أمن الوطن وسلامة أراضيه، أو حتى إن استدعى الأمر تحويل لحظة الإجماع الوطني إلى مناسبة لقول ما لا يلزم وما لا يستحق حتى الاستماع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.