زيان يريد “مخابرات” تعمل بمنطق “المحلبات”

0

إعلام تيفي – الرباط 

مراد المغربي
يبدو أن الخبل الحقوقي قد بلغ مداه في هذه الأرض السعيدة، وصار التهافت هو سيد كل الأفكار التي يدافع عنها بلا كلل من يدعون الانتصار لحقوق الإنسان، وبعد أن كنا نجتهد للتأكيد على عدائهم السافر لمنطق الدولة والمصالح العليا للوطن، هاهم قد وفروا علينا هذا العناء، وأطلق القوم العنان لمخيلاتهم المريضة كي تولغ في كيل التهم للمؤسسات الأمنية ببلادنا، فقط لأن حماقاتهم وسوء استعمالهم للتكنولوجيا ومرضياتهم النفسية تتسبب بين الفينة والأخرى في كشف عوراتهم القبيحة، فيفضلون النيل من الوطن على الاعتراف بما هم عليه من مرض.
فيوم أمس خرج علينا “النقيب” زيان، وكعادته مستعملا قاموسه المليء بالتشكيك في كل شيء تارة، ونثر منطق المؤامرة، تارة أخرى، ومُمعنا كعادته في خلط الأوراق، والهروب الى الأمام، وذلك للتغطية على الفضيحة الأخلاقية التي يوجد هو الآن في قلبها، للقول بأن مواقفه التي يلوكها كما لو أنه قد اكتشف قانون الجاذبية أو الصيغة الكيميائية لاختراع البارود، هي وحدها السبب وراء انتشار مقطع الفيديو المخزي، والذي نتأفف من ذكر تفاصيله القذرة، وهو الربط الذي لا يوجد سوى في ذهن زيان ومن على شاكلته.
وبما أن النقيب العتيد قد اكتشف فجاة النضال الحقوقي، حينما بات سقف الحرية في المغرب يسمح لأمثاله من طفيليات الارتزاق النضالي أن يتكلموا، ولم نسمع لهم في ستينيات المغرب وسبعينياته وثمانينياته صوتا، حينما كان المغرب فعلا يعيش سنوات الجمر، وناضل المخلصون بسنوات من أعمارهم لوقفها، انتبه زيان ومن على شاكلته إلى أن النضال قد يجلب المكاسب، فكيف يصمتون وهم يرون مناضلي الأمس الحقيقيين يدشنون مغرب المصالحة، الشيء الذي أقدم عليه المناضلون الحقيقيون لتدشين عهد جديد، ورأى فيه المرضى فرصة مواتية للتكشير عن انياب الانتهازية.
لقد راهن زيان ومنجب وغيرهما على أن الدولة المغربية قد باتت يدها مرتعشة، وأنه أوان الارتزاق، ولما اصطدموا بأن الأمر يتعلق بمنهج سديد، يقوي المؤسسات والقوانين، ومعها يوسع هوامش الحقوق والحريات، ليتاح للجميع أن يقولوا ما يشاؤون حتى لو كانوا حاقدين مرتزقين أمثال هذا النقيب.
وحيث أن الوضع هكذا، فإنه يسعنا أن نفهم سر هجوم زيان من خلال بيان حزبه وخطبته العصماء على جهاز مديرية مراقبة التراب الوطني، فلا ارتباكه وتلعثمه ولا لغته الركيكة المليئة بالأغلاط، والتي نستغرب له كيف يفهم النصوص القانونية وهو يتكلم بهكذا مستوى لغوي. بيد أن ثمة خبلا يجعله يربط فضيحته بهذه المؤسسة الوطنية، متلافيا أنه هو وكل المتورطين في قلب فضائح من نفس النوع، ليس شرطا على الإطلاق أن تكون الديستي هي التي تقف وراء انكشاف عوراتهم، لأن مثل هذه الأشياء تحدث يوميا وبالآلاف، فالناس يسيؤون استخدام الكاميرات والهواتف، والخبراء النفسيون يتحدثون عن أنواع من البشر يستمتعون بمشاهدة انفسهم كيف كانوا أثناء معارك الفراش، ولكن فقط حينما يحدث الشيء نفسه مع من يدعون النضال الحقوقي فإن المتهم الأول هو الأجهزة الأمنية، ولو ألقى هؤلاء نظرة على عالم الفيديوهات التي تروج في الواتساب لوجدوا أن غباءهم التقني ومرضياتهم هي السبب.
إنها العنجهية والمرض وتوهم أنهم من الأهمية بما كان لكي تلاحقهم الأجهزة الأمنية، وترصد تحركاتهم على مدار الساعة، عسى أن تظفر ببعض اللقطات، ثم تقوم بتسريبها، متناسين أنهم لا يمثلون أي شيء، ولا يشكلون خطرا حتى على غبار المكروفونات التي يلقون عبرها أفكارهم، لأنه وببساطة المغرب فيه الحق للجميع أن يقول ما يشاء، والمؤسسات الأمنية لن تنفق ميزانيات ضخمة لتتبع هؤلاء ورصد فضائحهم، وإلا كما يدعو زيان الديستي أن تضبطه في حالة تلبس، فليسلك هو مسار التحقق القانوني لنتأكد هل الفيديو حقيقي أم لا ومن قام بتصويره وتسريبه.ألا يعلم النقيب أن ذلك الأمر ممكن تقنيا، أم أن جهله التقني يفوق جهله باللغة العربية والقوانين؟.
إن النقيب ينتهج دائما أسلوب الهروب إلى الأمام، ورمي الآخرين بدائه ثم الانسلال، ولهذا فهو يدعي وفي جهل مطبق أن لا حاجة لنا بمديرية مراقبة التراب الوطني، مفصحا عن جهل رهيب بالأجهزة الاخرى التي ذكرها، والتي أسند لها مهاما لا نعلم من أين أتى بها، ليخلص إلى أن الديستي لا تقوم بأي مهام، وكأنه يريد منها أن تعمل بمنطق أي محلبة أو فرن يبتاع منها النقيب الكسول حاجياته، ويعرف كل شيء عمن يعلمون فيهما وكيف يعملون، بل ربما ينبغي على الديستي ومنذ الآن أن تشرع في الإعلان عن نواياها وأهدافها وبرامجها وتقنياتها في الاستخبار عبر قناة الجزيرة، قبل حتى أن تبدأ في التنفيذ، فهذا ما سيجعل زيان ومن على شاكلته يثق في عمل مخابراتنا الوطنية.
الا يعلم النقيب المتمرس في الشأن السياسي والنقابي والقانوني والفلاحي والبطيخي أن منطق الاستخبار في كل دول العالم يقوم على سرية العمليات والأجهزة والعاملين فيها، ألم يدرس أن عمل المخابرات يقتضي احيانا أن لا يعرف الزملاء داخل نفس الجهاز ما يعمل عليه زملاؤهم، وإلا كيف ستتمكن المؤسسات الأمنية والقضائية من تفكيك شبكات الإرهاب والاتجار في البشر والمخدرات والجريمة العابرة للحدود وتبييض الأموال، ومساعي الإضرار بوحدتنا الترابية، ألا يعلم النقيب أن الافراد العاملين في هذه المجاميع الإجرامية يعملون بأدق تفاصيل السرية والمرونة وشراء الذمم، ووحده الاستخبار المهني الملتزم من شأنه أن يفكك عراهم؟، أم أن النقيب المتهالك لا يرى أنه من حق وطننا وأمنه المالي والسياحي والاجتماعي والروحي أن تكون لدينا أجهزة مخابرات لا يعلم عنها هو شيئا، لتقوم بما تقوم به من مهام وطنية نبيلة، متوهما أن وضع كاميرا في غرفة نومه لتصوير مؤخرته العفنة أهم من كل تلك القضايا.
إن النقيب زيان، وباختصار، كائن “مرقاوي” بامتياز، وإذا كانت استقالته من الحكومة في نهاية التسعينيات قد أشرت على دهائه وقتها، حينما استشعر التحول الديمقراطي القادم طمعا في أن يجد لنفسه ضمنه مكانا ما، وأيضا ليضاعف شهرته ليستفيد مكتبه أكثر وأكثر، ويبالغ في زعمه النضالي للتغطية على أرباحه من حافلاته التي تتداخل فيها أموال الحشيش بالأموال القادمة من تذاكر الركاب، هاهو يبلغ أقصى درجات السعار الذي ركبه منذ 2011، آملا في الظفر بمنصب انتخابي أو تواجد في مؤسسة ما، وقد أعلنها صريحة الآن لدى دعوته المواطنين للتصويت عليه، لكنه لا يعلم أن المغاربة لا يصوتون على من يشكك في نزاهة وعمل المؤسسات التي لولاها لما تمكنا من عدِّ أصوات صندوق واحد، فما هكذا تورد الإبل أيها “الزيان”، والكيِّس لا يتبول في البئر التي سيشرب منها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.