فيروس كورونا ووباء المعلومات: أي تفاقم للأزمة؟

0

د . محمد الخضراوي

عندما كتب المفكر الفرنسي ألبير كامو (Albert Camus) روايته الشهيرة الطاعون سنة 1947 طرح جملة من التساؤلات الفلسفية على لسان الراوي الدكتور بيرنارد ريو الذي انقطعت عنه – وعن المدينة – كل وسائل الاتصال بسبب وباء الطاعون ليخلص إلى فكرة أساسية وهي أنه في الأوضاع الصعبة نحتاج إلى تدابير استثنائية متميزة.

اليوم، وفي خضم سياسة الحجر الصحي الإلزامية التي تنتهجها أغلب البلدان، ومنها المغرب، أضحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي نافذتنا على العالم وعلى أخباره، وتبوأ الإعلام مكانته الأساسية الواجبة في الصفوف الأولى من الجبهة إلى جانب باقي السلط ليؤدي دوره في تقوية المناعة الجماعية لمواجهة وباء كورونا.

ومع تزايد الانعزال الفيزيائي أصبحت خدمات التواصل وتطبيقاتها المختلفة أساس الحياة اليومية باعتبارها صلة الوصل بين العائلات والزملاء، وأداة للتكوين والتعليم، ووسيلة للتوعية والتحسيس والترفيه والتنفيس وآلية أساسية لتنفيذ التدابير القانونية والإدارية والصحية الواجبة. هذا وقد أجمعت مختلف الدراسات الدولية على أن نسبة تتبع الأفراد للأخبار والمعلومات بلغ ذروته خلال هذه الأزمة الصحية الوبائية العالمية، بالنظر إلى القلق المشروع الذي يعتري الجميع في مواجهة عدو مجهول المصدر والمنشأ، آثاره خطيرة ومتعددة الأبعاد. قلق انعكس على الإعلام ومنصات التواصل التي أصبحت مطالبة بمواكبة الحجر وهي تعيش تحت وطأته في نفس الان.

إعلام الأزمة: أي استراتيجية؟

تؤكد مختلف نظريات تدبير الأزمات وحكامة المخاطر على أن الأزمات التي تعرفها المؤسسات أو الدول تمر عادة من مراحل أساسية وهي انطلاق الأزمة، ثم مرحلة الذروة، تليها مرحلة التأقلم وصولا إلى مرحلة نهاية الأزمة وأخيرا مرحلة استعادة النشاط الطبيعي.

وفي كل هذه المحطات تكون لاستراتيجية التواصل أهدافا محددة ترتكز على شرح التصرفات والحفاظ على الثقة وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال مبادئ وآليات ضرورية يتعين الانضباط لها ومنها تقييم خطورة الأحداث وتحديد أولويات التعامل، والاستباق في تقديم المعلومة، والإبقاء في كل ذلك على الشفافية.

كما يفرض تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية التعامل مع محيط الأزمة من خلال عدد من الأبجديات الأساسية منها الاستماع الى الجمهور واستيعابه والإجابة على مخاوفه وعدم استصغارها، مع الأخذ بعين الاعتبار تنوع الآراء، واختلاف مستويات الفهم، والتقييد بالتزام الوضوح، وإعلام الجمهور بما يجب القيام به، والرد الفوري والمدروس على الاتهامات والأخبار غير الصحيحة دون الادعاء بعدم وجود مخاطر.

عناصر استراتيجية لاحظنا تفاعلا كبيرا مع مقتضياتها من طرف المؤسسات الوطنية المعنية مباشرة بمواجهة وباء كورونا وذلك من خلال تعبئتها لعدد من الآليات التواصلية (بلاغات، وصلات تحسيسية، برامج توعوية، نشرات إخبارية، إحداث مواقع إلكترونية رسمية، استخدام التواصل المباشر، مكبرات الصوت…) وهو ما أكده المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري خلال جلسته العامة يوم 17 مارس الجاري، حيث سجل المجهود الاستثنائي للتواصل والتحسيس الذي تبذله المؤسسات والسلطات عبر المحطات الإذاعية والقنوات التلفازية العمومية والخاصة، وأوصى بضرورة التعبئة الشاملة على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي بغاية نشر المعلومات والإرشادات على أوسع نطاق.

لكن هذا التواصل الذي فرضه وباء كورونا، سواء على المستوى الدولي أو الوطني، أفرز أيضا عددا من المظاهر السلبية الخطيرة وجد المقلقة التي دفعت بمنظمة الصحة العالمية أن تصفها مؤخرا بمصطلح “وباء المعلومات” (infodemic) حيث رصد مركز (A.F.P) أكثر من 140 مقال بالإنجليزية و52 بالإسبانية و53 بالفرنسية يتضمنون معلومات طبية مغلوطة تم تداولها بشكل كبير بين كل الشرائح والفئات والمستويات عن سوء أو حسن نية بسبب الإحساس بالعزلة والقلق المستشري داخل المجتمع الناتج عن هذا الوباء المستجد.

كورونا وأزمة الإعلام (وباء المعلومات)

لقد ظهرت أعراض وباء المعلومات من خلال السيل الكبير من المعلومات والأخبار الصحية غير الدقيقة، ونشر الأخبار الكاذبة والتهويل، ناهيك عن بث خطابات سوداوية ومواقف عنصرية، والمس كذلك بمبدأ حماية المعطيات الخاصة والإخلال بالنظام العام.

وتكشفت خطورة ضعف الوعي الاجتماعي في استخدام تكنولوجيات التواصل في وقت الأزمة والارتباك خاصة على المستوى الصحي والامني والمجتمعي حيت تم تداول العديد من الفيديوهات والاخبار المفبركة مما دفع أكبر منصات التواصل العالمية كالفايسبوك وغوغل ومايكروسفت ولينكد-إن وتويتر ويوتيوب أن يصدروا بيانا جماعيا يوم 17 مارس الجاري أكدوا فيه التزامهم الجماعي بتعزيز الجهود بشأن مكافحة المعلومات الخاطئة حول فيروس كورونا وزيادة المحتوى الموثوق على منصاتها.

وضع مقلق دفع أيضا شركات الويب مثل بنتريت إلى وضع عناوين وروابط على صفحاتها الرئيسية حول كوفيد19، كما حاولت تيك توك إزالة المقاطع المضللة بشكل متعمد مؤكدة أنها لن تسمح بترويجها، هذا وقد مسح موقع فايسبوك عددا من المنشورات التي تحتوي على نصائح صحية مشكوك فيها.

واقع ظهرت على ملامحه أعراض المرض من خلال اضطرار السلطات والمؤسسات إلى إصدار عدد من البلاغات التكذيبية لدحض معلومات وأخبار زائفة وكاذبة وكذا المتابعات القضائية التي صدرت في حق عدد ‎من المشتبه في تورطهم في هذا العبث عبر منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية.

وباء إعلامي له كلفة اقتصادية كبرى وصلت حسب بعض الدراسات الدولية إلى 78 مليار دولار عبر العالم، فضلا عن مساسه بالأمن الصحي وإثارته الفزع بين الناس وتهديده للنظام العام في عز أزمة لها تداعيات كبرى على الجميع.

وضع أفرز اليوم مفاهيم جديدة مثل “إنفوديمك” و “كورونا فوبيا” وغيرها، مما دفع عددا من الدول ومنها المغرب إلى التفكير في مراجعة ترسانتها القانونية حيث صادقت الحكومة يوم 19 من مارس على مشروع قانون رقم 22.20 المتعلق بردع كافة السلوكيات الإجرامية المرتكبة باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة.

الأكيد أن المقاربة الردعية، وإن كانت ضرورية الآن، فإنها لن تكفي مستقبلا لمواجهة هذا الوباء الاعلامي الذي تغذيه – كما أكد على ذلك ثلة من خبراء التواصل الدوليين- عديد العوامل المرتبطة بالعقلية الاستهلاكية لنسبة كبيرة من مستخدمي الحسابات الرقمية وغياب التفكير النقدي وعدم الانفتاح على الاختلاف في وجهات النظر. وهو ما يلزمنا بمقاربة شمولية تنطلق من توفير بنية تعليمية متعددة التخصصات من أجل حماية المجتمع وتحقيق التنمية من خلال تعزيز المعرفة ومشاركتها عبر مختلف المنصات. ‎كما يجب التركيز على التكوين في مجال أخلاقيات الإعلام ودعم وتفعيل مبادئ الشفافية في عمل المؤسسات والتمكين من الوصول إلى المعلومة الحقيقية من أجل سد المنافذ أمام الأخبار المغلوطة والزائفة والمضللة.

وفي انتظار هذا، ولأن زمن الحرب على كورونا يقتضي التدابير الآنية الاحترازية المستعجلة، فقد طلبت شبكة الصحفيين الدوليين من وسائل الاعلام المختلفة ضرورة التقيد بنقل الصورة كما هي على أرض الواقع ونقل المعلومات وليس التحليلات واعتماد الشفافية عند وضع العناوين وتحري الدقة عند نشر الأعداد والاستناد على آراء الخبراء والمتخصصين.

إننا اليوم ونحن نعيش مرحلة الحجر الصحي نحتاج إلى بناء مناعة مجتمعية فعالة للوقاية من هذا الوباء ومحاربته من خلال بذل مجهود إخباري دقيق ونزيه واعتماد نهج حقوقي تام في المقاربات التحسيسية والرجوع إلى العقلانية والمسؤولية الشاملة في مكافحة المظاهر الإعلامية السلبية التي تسعى إلى الانفراد والسبق والمبالغة دون الاكتراث بالكلفة أو بالكوارث التي قد تتسبب فيها.

الجبهة الآن واضحة: التصدي للوباء الصحي ومكافحته. وأي جهد سيبذل في غير نطاقه سيستنزف مباشرة مؤسسات الدولة، وطنيا وعالميا، وستكون نتيجته واحدة: مزيد من الانتشار للوباء ومزيد من الضحايا.

ولكيلا نصل إلى ما لا تُحمد عقباه، فلنتخلى عن الاستهتار في توسيع رقة الوباء المعلوماتي ولنتحلى بمزيد من المسؤولية في احترام كافة تعليمات الوقاية من هذا الوباء الصحي.‎

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.