مهنية وأنسنة أمن مكافحة الإرهاب في المغرب يمكنّانه من تبني استراتيجية إعلامية قوية

0

مراد أبو العلاء
يستعد المغرب لاحتضان اجتماع فريق العمل المعني بمكافحة الإرهاب في إطار مؤتمر وارسو في شهر مارس القادم، وفق ما كان قد أعلنه وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، عقب زيارة العمل التي جمعته بكاتب الدولة للولايات المتحدة، مايكل بومبيو، مباشرة بعد وصوله إلى الرباط، وهو اللقاء الذي أعقبه أيضا التأكيد على أن النسخة 17 لمناورات الأسد الإفريقي للعام 2020، ستكون هي الأكبر في إفريقيا مقارنة بما عرفته مناورات السنوات الماضية، خصوصا وأنها أهم برنامج تعاون عسكري وأمني بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية.
ويأتي هذا الإعلان في ظل تنامي قدرات المغرب الأمنية على ردع العمليات الإرهابية، وإحباط عدد كبير منها، لاسيما بعد الهزائم المتتالية التي تلقاها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروف اختصارا باسم داعش، حيث تمكن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأسابيع الماضية من القضاء على زعيمه أبي بكر البغدادي، وهو ما جعل الكثير من أنصار التنظيم بحسب مراقبين يُقبلون على تنفيذ عمليات انتقامية في مجموعة من دول العالم.
وفي هذا الصدد أعلن المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بالمغرب (مخابرات داخلية)، نهاية نوفمبر الماضي، عن إيقاف عنصرين مواليين لتنظيم “داعش” يبلغان من العمر 30 و34 سنة، ينشطان بمدينة الرباط، فيما كانت السلطات المغربية قد تمكنت، نهاية أكتوبر الماضي، من تفكيك شبكة “طماريس” الإرهابية التي تنشط بعدة مناطق من المغرب وتستعد لتنفيذ هجمات إرهابية ضد منشآت حيوية ضمنها مصالح مائية.
وتجدر الإشارة إلى أن الأمن المغربي قد تمكّن خلال العام الماضي من تفكيك حوالي 13 خلية إرهابية، فيما رصدت تقارير رسمية تطور العمليات الأمنية النوعية للأجهزة المختصة بالمغرب منذ هجمات مراكش سنة 1994، إلى هجمات الدار البيضاء سنة 2003، فتفجيرات أركانة سنة 2011، وجريمة مقتل السائحتين الإسكندنافيتين نهاية العام الماضي، وهي العمليات التي مكنت من تفكيك 183 خلية إرهابية خلال المحطات المذكورة، والحؤول دون وقوع 361 عملا تخريبيا، واعتقال أكثر من 3129 شخصا، 292 منهم لهم سجل إجرامي، مع الإشارة إلى أن 361 نشاطا تخريبيا كان يستهدف بعض المواقع الحساسة في المملكة.
عدد المحاولات الإرهابية الذي تم إحباطها خلال السنوات السابقة يكشف من ناحية حجم الاستهداف الإرهابي للمملكة، ويكشف في الوقت نفسه درجة حرفية الأجهزة الأمنية وجاهزيتها القوية التي تؤهلها للتدخل في جميع الأوقات والأماكن. وهو ما كشف عنه محمد الدخيسي، مدير الشرطة القضائية ومدير الانتربول في المغرب، خلال حوار صحفي، حيث أكد أن المصالح الأمنية المغربية قد بلغت درجة من الاحترافية جعلتها تتمكن من تفكيك الخلايا الإرهابية وضبط المضلعات الأمنية، شارحا طريقة التنسيق بين فرق التدخل وفرق الحماية الأمنية الخاصة بها وفرق الاحتياط وفرق حماية مسرح العمليات.
شروحات الدخيسي لطريقة عمل الفرق الأمنية المختصة في مكافحة الإرهاب، مؤكدا أن قوة المؤسسة الأمنية تمكن في التنسيق بين الأجهزة، تعتبر هي الأولى من نوعها، إضافة إلى الأسلوب التي بدأت تنهجه المؤسسة الأمنية المغربي في السنوات الأخيرة، بحيث بات مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، عبد الحق الخيام، يدأب على تنظيم المؤتمرات الصحافية عقب كل تفكيك لشبكة إرهابية أو إيقاف لمتورطين في عمليات إرهابية، وهو ما يعتبر تقدما لافتا للمغرب، بخصوص تدبير الملفات الأمنية المتعلقة بالإرهاب”، مشيرا إلى أن “انفتاح الجهاز الأمني المغرب على وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة يعتبر طفرة نوعية” موعزا سبب ذلك إلى الإلمام الشامل للأطر الأمنية “بالظاهرة الجهادية وتشعباتها وأسبابها.
ولعل هذا الانفتاح الأمني على الإعلام بشكل ملحوظ، يأتي إضافة إلى ثقة المؤسسة في حرفية أداء كوادرها وإمساكهم بكل جوانب فهم الظاهرة، يأتي أيضا من التحول الذي شهدته المؤسسة على مستوى الالتزام بالأبعاد الإنسانية في تدخلاتها العملياتية، بحيث أن الجهاز الأمني لم يثبت في حقه أي خروقات ممنهجة خلال العقد الأخير، ولم تسجل أي حالات اختطاف أو احتجاز أو تعذيب ممنهجة، وهو ما كان الدخيسي قد أكد عليه في سياق حديثه عن “التوجهات الإنسانية للمغرب في تعاطيه مع عائلات المقاتلين الموجودين في ببؤر التوتر”، وذلك خلال اجتماع لـ لرؤساء أجهزة الشرطة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، نهاية نوفمبر الماضي.
المؤسسة الأمنية المغربية حققت تراكما كبيرا في التعاطي مع الأعمال الإرهابية، ذلك أن الاتساع والزخم الكبير الذي شهدته الظاهرة الجهادية عالميا منذ أحداث 11 سبتمبر، جعل المؤسسة الأمنية تتبنى العشوائية في التعامل مع المعنيين بالانتماء إلى تلك الظاهرة، فالفترة التي تلت ذلك قد شهدت صياغة رؤية جديدة في التعاطي مع التطرف العنيف تمثلت في السياسة الأمنية الاستباقية، ما جعلها تصبح محط احترام دولي نظرا لاحترافيتها وتقاطعها مع السياسة الدينية والسياسية الإعلامية، ومن نتائج تلك الاستراتيجية أن المغرب هو البلد الوحيد ضمن محيطه الإقليمي لم يشهد تأسيسا لفروع التنظيمات الجهادية مثل داعش والقاعدة، فضلا عن تمكن المغرب من تلافي التجاوزات الحقوقية التي كانت قد وقعت فيها الأجهزة الأمنية في السابق.
لقد باتت المؤسسة الأمنية المغربية تحضى باعتراف دولي على صعيد ملاءمتها بين الحرفية العالية إن في الاستباق أو في التدابير البعدية، وبين حساسيتها الحقوقية العالية، بحيث باتت أبعد ما تكون عن التجاوزات أثناء اعتقال الضالعين في العمليات الإرهابية والتحقيق معهم وإيداعهم في السجون، أو حتى في التعاطي مع عائلاتهم، وهذا ما يجعل مدراء المؤسسة الأمنية المغربية يشعرون بالثقة أثناء الإقبال على الإعلام وإطلاع الرأي العام الوطني والدولي على تفاصيل العمليات التي تقوم بها، خصوصا وأن المؤسسة تحضى بتقدير المواطنين المغاربة لكل الأسباب الثلاثة المذكورة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.